وكالة مهر للأنباء، رسول حسين أبوالسبح: تشهد منطقة غرب آسيا تحولات متسارعة أعادت طرح أسئلة جوهرية حول مستقبل النظام الإقليمي وموازين القوى الدولية، وفي ظل تصاعد التوترات بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية من جهة، والولايات المتحدة والكيان الصهيوني من جهة أخرى، تبرز قراءات عسكرية واستراتيجية تسعى إلى استشراف مآلات هذا الصراع وانعكاساته على الأمن الإقليمي والدولي.
وفي هذا السياق، أجرت وكالة مهر للأنباء حواراً خاصاً مع العميد الركن عبدالسلام سفيان الذي قدّم قراءة موسعة للدوافع الكامنة وراء استهداف إيران، وتقييمه لمعادلات الردع الراهنة، ورؤيته للتحولات الجيوسياسية الجارية، إضافة إلى دور الممرات البحرية والجبهات المساندة في معركة كسر الإرادات.
سيادة العميد، من منظور الأمن القومي والدفاع الوطني، كيف تقرؤون الدوافع العميقة وراء الاستهداف الأمريكي والصهيوني المستمر للجمهورية الإسلامية؟ وهل يقتصر الأمر على الملف النووي والنفوذ الإقليمي أم أن هناك أبعاداً أخرى تتعلق بالممرات البحرية ومشروع الهيمنة في المنطقة؟
لا شك أن نجاح الثورة الإسلامية في إيران بإسقاط نظام الشاه محمد رضا بهلوي، الحليف الأبرز للولايات المتحدة والصديق الموثوق للكيان الصهيوني، شكّل صدمة استراتيجية كبيرة للأعداء، فقيام الجمهورية الإسلامية بمشروعها المستقل والمناهض للهيمنة الأمريكية والصهيونية جعلها هدفاً دائماً لمحاولات الاحتواء والاستهداف.
ومن هنا فإن جذور الصراع لا ترتبط بالأحداث الأخيرة فقط، ولا بملف إيران النووي فحسب، بل تتصل بطبيعة المشروع الذي تمثله الجمهورية الإسلامية ودورها في دعم قوى المقاومة ومواجهة مشاريع الهيمنة في المنطقة.
أما البرنامج النووي السلمي، فهو يمنح إيران قدرات علمية وتنموية متقدمة لا يرغب خصومها في امتلاكها، ومع ذلك، فإن أهداف المواجهة تتجاوز الملف النووي إلى استهداف هوية إيران ووحدتها وثرواتها ومستقبلها ودورها في نهضة الأمة.
كما أن للممرات البحرية الاستراتيجية أهمية بالغة في هذا الصراع، لأن السيطرة عليها تعني التحكم بشرايين الاقتصاد العالمي وإمدادات الطاقة والتجارة الدولية، ولذلك أصبحت مضائق مثل هرمز وباب المندب جزءاً أساسياً من معادلات الردع والصراع على النفوذ الدولي.
كيف تقيمون معادلة الردع الحالية بين الجمهورية الإسلامية ومحور المقاومة من جهة، والولايات المتحدة والكيان الصهيوني من جهة أخرى؟
نحن أمام معادلة ردع استطاعت إيران ترسيخها بعد العدوان الأمريكي والصهيوني، حيث أُجبر الطرف المقابل على التراجع عن أهدافه المعلنة ذات السقوف المرتفعة.
المؤشرات كافة تدل على أن الولايات المتحدة باتت تتعامل مع واقع جديد يفرض عليها حسابات مختلفة، وأن إيران تمكنت من تثبيت موقعها كلاعب أساسي يمتلك القدرة على التأثير في مجريات الصراع وفرض شروطه السياسية والاستراتيجية.
كما أن أي عودة إلى المواجهة العسكرية الشاملة ستكون مكلفة للغاية لجميع الأطراف، سواء على مستوى الأمن الإقليمي أو الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة، وهو ما يجعل معادلة الردع الحالية عاملاً حاسماً في رسم المشهد المقبل.
ما أبرز النتائج والتحولات الجيوسياسية التي أفرزها هذا الصراع حتى الآن؟
شهدت المنطقة تحولات عميقة خلال السنوات الأخيرة. ومن أبرز المؤشرات ما أحدثته عملية السابع من أكتوبر من صدمة استراتيجية داخل الكيان الصهيوني، وما تبعها من إعادة طرح أسئلة جوهرية حول فعالية منظومة الردع الإسرائيلية.
كما أن دخول جبهات الإسناد إلى ساحة المواجهة منح الصراع بعداً إقليمياً أوسع، ورسّخ مفهوم وحدة الساحات، وأدى إلى تعطيل مسار التطبيع الذي كان يُراد له أن يشكل قاعدة لمشروع إقليمي جديد.
ومن المؤشرات المهمة أيضاً الدور اليمني في دعم القضية الفلسطينية، وما نتج عنه من تأثيرات مباشرة على حركة الملاحة الدولية ومعادلات القوة البحرية في المنطقة.
وفي المحصلة، أظهرت هذه التطورات تراجعاً في قدرة الولايات المتحدة على فرض إرادتها بشكل منفرد، وفتحت الباب أمام تحولات أوسع في بنية النظام الدولي وتوازناته المستقبلية.
كيف تنظرون إلى دور الجبهات المساندة والممرات البحرية في إدارة معركة كسر الإرادات؟
الممرات البحرية كالبحر الأحمر ومضيق هرمز وباب المندب تمثل نقاطاً استراتيجية شديدة الحساسية في العقيدة العسكرية للأطراف المتصارعة، لأن السيطرة عليها ترتبط بشكل مباشر بالطاقة والتجارة العالمية.
ومن هذا المنطلق، أصبحت جبهات الإسناد جزءاً من معركة استراتيجية تتجاوز حدود الجغرافيا المحلية إلى التأثير في بنية النظام الدولي نفسه. فالصراع اليوم لا يدور فقط حول الأراضي والحدود، بل حول من يمتلك القدرة على التأثير في حركة الاقتصاد العالمي ومسارات النفوذ الدولي.
وقد أثبتت التطورات الأخيرة أن هذه الساحات البحرية تحولت إلى أدوات ضغط استراتيجية ذات تأثير يتجاوز نطاق العمليات العسكرية التقليدية.
ختاماً، إلى أين يتجه هذا الصراع؟ وهل نحن أمام تسوية كبرى أم أمام مرحلة جديدة من التصعيد؟
الصراع القائم يتجاوز في جوهره حدود المواجهة المباشرة بين أطرافه الحالية، فهو صراع على مستقبل المنطقة وشكل النظام الدولي القادم.
لقد أظهرت التطورات الأخيرة أن أي مواجهة واسعة ستكون لها تداعيات عالمية على الاقتصاد والطاقة والتوازنات الدولية، كما أنها كشفت حدود القوة الأمريكية التقليدية وقدرتها على إدارة أزمات متعددة في آن واحد.
وفي المقابل، استطاعت إيران أن تحافظ على موقعها وأن تمنع تحقيق الأهداف المعلنة للعدوان، وهو ما فرض معادلات جديدة في المنطقة.
لذلك فإن مستقبل الصراع سيبقى مرتبطاً بقدرة الأطراف على التكيف مع هذه التوازنات المستجدة، غير أن أي تسويات لا تستند إلى العدالة ومعالجة جذور الأزمة ستظل معرضة لإعادة إنتاج التوترات والصراعات مستقبلاً.
اخيراً..
تكشف قراءة العميد عبد السلام عن قناعة بأن المنطقة دخلت مرحلة جديدة من التحولات الاستراتيجية العميقة، حيث لم تعد معادلات القوة التقليدية وحدها قادرة على تفسير المشهد، وبين صراع الإرادات، والتحولات الجيوسياسية، والتنافس على الممرات البحرية الحيوية، تبدو المنطقة مقبلة على إعادة صياغة واسعة لموازين القوى، ستكون نتائجها مؤثرة ليس على الشرق الأوسط فحسب، بل على النظام الدولي بأسره.
/انتهى/
تعليقك